السيد محمد تقي المدرسي
280
من هدى القرآن
المتقدم بيانه صار صدِّيقاً أو شهيداً وشملته إشارة القرآن : أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ونقرأ في آية أخرى وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] وأي تجمع أنبل من هؤلاء وأقرب إلى الله ؟ والشهادة في القرآن ليست منصرفة إلى القتل بالسيف وإنما هي تنصرف لكل من وافاه أجله مؤمنا بالله ورسله متحملا لمسؤوليته الرسالية ، وهي بمعنى الشهود والحضور والميزان والتأثير . روى العياشي عن منهال القصاب قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ادعُ الله أن يرزقني الشهادة فقال : « إِنَّ المُؤْمِنَ شَهِيْدٌ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَة » « 1 » وعن الحارث بن المغيرة قال : [ كنا عند أبي جعفر عليه السلام فقال : العَارِفُ مِنْكُمْ هَذَا الأَمْرَ المُنْتَظِرُ لَهُ المُحْتَسِبُ فِيهِ الخَيْرَ كَمَنْ جَاهَدَ وَالله مَعَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله بِسَيْفِهِ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ وَالله كَمَنْ جَاهَدَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله بِسَيْفِهِ ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ : بَلْ وَالله كَمَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله فِي فُسْطَاطِهِ وَفِيكُمْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله . قُلْتُ : أَيُّ آيَةٍ جُعِلْتُ فِدَاكَ ، قَالَ : قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : صِرْتُمْ وَالله صَادِقِينَ شُهَدَاءَ عِنْدَ رَبِّكُم » « 2 » ، وقال الصادق عليه السلام : « فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فِي المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ دِيَارِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ أُحِلَّ لَهُمْ جِهَادُهُمْ بِظُلْمِهِمْ إِيَّاهُمْ وأُذِنَ لَهُمْ فِي القِتَالِ » « 3 » . إن تصديق الشهادة الحقيقية يتجلى في الإيمان بالله ، والطاعة للقيادة الرسالية ، لأن المهم أن يكون الإنسان في خدمة الدين ليكون صدِّيقًا أو شهيدًا ثم لا يهم أين يكون ، فقد يكون دوره ضمن أجهزة الأنظمة الفاسدة ومؤسساتها لأغراض تعلمه القيادة كما فعل مؤمن آل فرعون وفعلت زوجة فرعون آسية ، وقد يكون مشغولا بالقراءة والتأليف ، أو سائحا في البلاد لمصلحة العمل ، أو ما أشبه . لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أما الأجر فيتمثل في الآخرة بالجنات ، أما في الدنيا فقد يتجلى في النظام الحياتي المتكامل بما له من معطيات حضارية كريمة . وأما النور فيتمثل في الآخرة بالضياء الذي يفقده الناس في المحشر ، أما في الدنيا فهو ذلك الهدى الذي يمشي عليه المؤمن في كل حقول الحياة . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ في الدنيا لأنهم كذبوا
--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 244 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 24 ، ص 38 . ( 3 ) الكافي : ج 5 ، ص 17 .